أقلامهم

مكافحة الفساد في العراق: ثلاث فرضيات لقراءة المشهد

المحلل السياسي: حمزة الشخاوي


مع استمرار حملة مكافحة الفساد التي أطلقتها الحكومة العراقية، بدأ الجدل يتصاعد حول طبيعة هذه الإجراءات وحدودها، ولا سيما بعد أن طالت شخصيات يصفها كثيرون بأنها لا تمثل سوى مستويات متأخرة في هرم الفساد، فيما يرى آخرون أنها ليست سوى بداية لحملة أوسع ستصل إلى شخصيات أكثر نفوذاً.

وقد عززت الحكومة هذا الانطباع بعد تصريح مستشار رئيس الوزراء القاضي منير حداد: بأن الأموال المنهوبة منذ عام 2003 تجاوزت تريليوني دولار، مؤكداً أن محاكمات المتهمين بقضايا الفساد ستكون علنية، وأن الحملة ستشمل كبار المسؤولين في جميع المحافظات دون استثناء، وإن صحت هذه التقديرات فإنها تعكس واحداً من أكبر ملفات الهدر المالي في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، وهو رقم يكفي لإحداث نهضة اقتصادية وتنموية شاملة، وليس مجرد معالجة لأزمة مالية عابرة.

لكن في المقابل فإن تفكيك منظومة الفساد لا يبدو مهمة سهلة، فالفساد في العراق لم يعد مجرد ممارسات فردية، بل أصبح منظومة متكاملة تشكلت على مدى أكثر من عقدين، وتشابكت مع المصالح السياسية والإدارية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي مواجهة حقيقية معها تصطدم حتماً بمراكز نفوذ تمتلك أدواتها وقدرتها على الدفاع عن نفسها.

ومن هنا، يمكن قراءة الحملة الحالية من خلال ثلاث فرضيات رئيسة.

الفرضية الأولى: أن تكون الحكومة قد اتخذت قراراً استراتيجياً بفتح ملف الفساد دون خطوط حمراء، وأن ما جرى حتى الآن ليس سوى المرحلة الأولى، على أن تمتد الإجراءات لاحقاً إلى كبار المسؤولين والمتنفذين، بما يفضي إلى استرداد الأموال المنهوبة، وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وإعادة بناء ثقة المواطن بالدولة.

الفرضية الثانية: أن تكون الحملة جزءاً من استحقاقات سياسية ودبلوماسية أوسع، فرضتها طبيعة المرحلة والعلاقة مع الولايات المتحدة، ولا سيما في ظل الضغوط الأمريكية المتواصلة بشأن حصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد بوصفهما من أبرز الملفات المطروحة بين بغداد وواشنطن ،كما يعزز هذا الاحتمال، وفق قراءات سياسية، اللقاء المرتقب بين رئيس الوزراء والرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال الشهر الجاري، الأمر الذي قد يدفع الحكومة إلى إظهار تقدم ملموس في هذين الملفين قبل اللقاء، بما يعزز موقفها السياسي والدبلوماسي، وإن صح هذا التصور، فإن السؤال الحقيقي سيكون: هل ستستمر الحملة بالزخم نفسه بعد انتهاء الزيارة، أم أنها ستفقد اندفاعها بانتهاء الظرف الذي فرضها؟
أما الفرضية الثالثة، وهي الأكثر إثارة للقلق، فتتمثل في أن تستمر الحملة فعلاً، لكن وفق تسويات سياسية غير معلنة، تُعاد بموجبها أجزاء من الأموال المنهوبة إلى خزينة الدولة مقابل تجنب المحاكمات أو تخفيفها، بما يسمح لبعض القوى السياسية بإعادة ترتيب صفوفها، واستعادة شرعيتها السياسية، وكأن شيئاً لم يكن، وقد يبدو هذا الخيار مغرياً للحكومة إذا كانت تبحث عن إنجاز مالي سريع، لكنه سيكون على حساب العدالة، وسيكرس من جديد ثقافة الإفلات من العقاب.

في النهاية، لا يمكن الجزم بأي من هذه الفرضيات في الوقت الراهن. فالمعيار الحقيقي لن يكون عدد أوامر القبض، ولا حجم التصريحات الرسمية، وإنما قدرة الدولة على الوصول إلى الرؤوس الكبيرة التي ارتبط اسمها بملفات الفساد طوال السنوات الماضية، واسترداد الأموال المنهوبة، وإجراء محاكمات شفافة ومستقلة لا تستثني أحدًا.

إن العراق يقف اليوم أمام اختبار حقيقي، ليس في قدرته على اعتقال بعض الفاسدين، وإنما في إثبات أن الدولة أصبحت أقوى من منظومة الفساد نفسها، وحتى تتضح نتائج هذه الحملة، سيظل السؤال مشروعاً: هل نحن أمام تحول استراتيجي في بنية الدولة العراقية، أم أمام هدفٍ مرحلي فرضته ظروف السياسة الداخلية والخارجية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى