حدائق الرئيس.. محسن الرملي

عمار الحمد

هذه الرواية لا تُقرأ، هذه الرواية تُبكى، تُنزف؛
هذه الرواية تُحمل كندبة في القلب.. لأنها ببساطة لم تحكِ عن الماضي فقط !! بل كتبت حاضرنا أيضًا، وكأننا محكومون أن نعيش (حدائق الرئيس) مرةً بعد مرة، بأسماء مختلفة.. وبقبور أكثر !!
أتعرفون يا رفاق.. هناك كتب نقرؤها، وهناك كتب تفتح جروحًا لا تندمل، كأنها لم تُكتب بالحبر بل بالدم.
حدائق الرئيس ليست مجرد عمل أدبي، بل شهادة، بل وثيقة من داخل الجحيم العراقي الذي لم ينتهِ… بل يتكرر بأسماء مختلفة ووجوه جديدة !!
الملفت أن الاستاذ محسن الرملي كتب العنوان بشكل خادع حدّ القسوة… “حدائق”
أي حدائق هذه؟
كنت أظنها ظلالًا خضراء !!
ورودًا، فسحة أمل !!
لكنني وجدت نفسي أمام حدائق من نوع آخر، حدائق مزروعة بالرؤوس المقطوعة، مدفونة بالصمت، مسقاة بالخوف. تسعة صناديق موز، وفي كل صندوق رأس !!
من بينها رأس إبراهيم، الذي لم يكن مجرد شخصية، بل كان وطنًا كاملًا يُذبح بصمت.. ومن خلاله، ومن خلال طارق وعبدالله، لم نقرأ حكاياتهم فقط، بل قرأنا العراق كله وهو يُسحب من إنسانيته، من حرب إلى حرب، من قبر إلى قبر، من ديكتاتورية إلى فوضى !!
أبو مراد لم يكتب رواية… هو نبش ذاكرة. فضح ما دُفن في (حدائق الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين) من أجساد بلا أسماء، من عراقيين دُفنوا وكأنهم لم يكونوا يومًا. لم يترك جهة إلا وكشف وحشيتها: من تعذيب الأسرى في الحروب، إلى آلة القتل الداخلية التي كانت تبتلع أبناءها دون رحمة.
كأن الموت في تلك الرواية لم يكن حدثًا… بل نظامًا.
وأنا.. يا عذابي ويا ذاكراتي التي لا تنسى؛
كلما اشتعلت حرب جديدة، كلما رأيت صور الخراب، كلما سمعت صراخ الأمهات… أعود إلى هذه الرواية. ليس حبًا بالألم، بل لأن الألم هناك صادق. لأن ما نعيشه اليوم ليس جديدًا، بل امتداد لذلك الكابوس الذي لم يُغلق.
أفتح الكتاب كمن يفتح جرحه بيده، فقط ليتأكد أنه ما زال حيًا… أو ربما ليتأكد أن كل هذا ليس وهمًا.
(الكره، عبء زائد على النفس)
لكن ماذا نفعل حين يتحول الواقع نفسه إلى عبء؟ حين يصبح الحزن هو اللغة الوحيدة المفهومة؟ حين لا يبقى من الإنسان سوى ذاكرة مثقلة بالموت !!
