أقلامهم

مراجعة كتاب كتاب نظام الزمان للفيلسوف الفيزيائي كارلو روفيللي

بعض الكتب لا تأتي لتشرح لك العالم.. بل لتجعل العالم نفسه يبدو أقل ثباتًا مما كنت تظن.

كتاب نظام الزمان للفيلسوف الفيزيائي كارلو روفيللي هو من تلك الكتب التي تفتح باب السؤال الكبير: ما هو الزمن؟ ثم تتركك واقفًا في العتبة، لا أنت داخل الفهم تمامًا، ولا أنت قادر على العودة إلى جهلٍ مريح.

يبدأ الكتاب بوعدٍ كبير، أن يقترب من الزمن ذاته، لا من ظله. لكن كلما تقدمت في الصفحات، شعرت أن المفهوم يتبخر بين يديك. كأن الفهم يلمع للحظة ثم يختفي، مثل رائحة فكرة مرّت ولم تستقر. أسلوب روفيللي شاعري، ناعم، يلمسك بلطف، لكنه في الوقت نفسه يربكك، كأن اللغة تُخفي أكثر مما تكشف.

هو يقول إن الزمن لا وجود له.. ثم يتحدث عنه.

ينفيه.. ثم يستخدمه ليشرح نفيه.

كأنك أمام فكرٍ يحاول أن يقف خارج الزمن، لكنه مضطر أن يمشي داخله ليقول ذلك.

هنا تبدأ الحيرة الحقيقية: هل المشكلة في الفكرة أم في الطريقة التي تُقال بها؟ هل نحن أمام ثورة في فهم الطبيعة، أم أمام لغة جميلة تتجاوز وضوحها؟ في لحظة ما، تشعر أنك تفهم، ثم في اللحظة التالية يتلاشى هذا الفهم كما يتلاشى بخار على زجاج بارد.

حتى المفاهيم العلمية الثقيلة – كالحرارة، الإنتروبيا، النسبية – تظهر وتختفي بين الصفحات كأنها إشارات لا تكتمل. هناك إحساس دائم بأن شيئًا عظيمًا يُقال،  لكن دون أن يُمسك بالكامل.. فكرة تلمحها أكثر مما تقرأها.

وربما المشكلة ليست في الفكرة وحدها، بل في محاولة تحويل الفيزياء إلى تجربة شعورية.. حين يصبح الزمن “حدثًا” بدل “شيء”، يتغير كل شيء، لكن اللغة لا تواكب دائمًا هذا التحول، فتتحول الدقة إلى ضباب جميل.

اللافت أنك تخرج من الكتاب بشعور مزدوج:

أنك اقتربت من فكرة عميقة جدًا؛

لكن أيضًا أنك لم تمسك منها شيئًا ثابتًا بما يكفي لتبني عليه يقينًا.

وهنا تكمن قسوته، ليس لأنه صعب فقط، بل لأنه يمنحك وهم الفهم ثم يسحبه بهدوء. يجعلك تشعر أنك رأيت المعنى، لكنك لا تستطيع إعادة بنائه حين تحاول تذكره.

ربما لهذا السبب يحتاج إلى قراءة ثانية، وربما ثالثة. ليس لأن المعلومة مخفية، بل لأن الفكرة نفسها تتحرك، تتبدل، ترفض أن تُحاصر داخل تعريف واحد.

“نظام الزمان” ليس كتابًا يشرح الزمن،

بل كتاب يجعلك تشك أن الزمن قابل للشرح أصلًا.

ويتركك في النهاية مع سؤال بسيط وقاسٍ:

هل الزمن شيء نفهمه؟ أم شيء نعيشه فقط دون أن نملكه يومًا؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

زر الذهاب إلى الأعلى